سيف الدين الآمدي

53

غاية المرام في علم الكلام

الطرف الأول في إثبات صفة الإرادة « 1 »

--> ( 1 ) مذهب أهل الحق : أن الباري - تعالى - مريد بإرادة قائمة بذاته ، قديمة ، أزلية ، وجودية ، واحدة ، لا تعدد فيها ، متعلقة بجميع الجائزات ، غير متناهية بالنظر إلى ذاتها ، ولا بالنظر إلى متعلقاتها . وذهب الفلاسفة ، والشيعة ، والمعتزلة : إلى إنكار ذلك . وإذا قيل له مريد : فمعناه عند الفلاسفة : راجع إلى سلب الكراهة عنه . ووافقهم على ذلك النجار من المعتزلة : حيث أنه فسر كونه مريدا ؛ بسلب الكراهة ، والغلبة عنه . وأما النظام ، والكعبي فإنهما قالا : إن وصف بالإرادة شرعا ؛ فليس معناه إن أضيف ذلك إلى أفعاله لا أنه خالقها . وإن أضيف إلى أفعال العبد ؛ فالمراد أنه أمر بها . وزاد الجاحظ على هؤلاء بإنكار الإرادة شاهدا ، وقال : مهما كان الإنسان غير غافل ، ولا ساه عما يفعله ؛ بل إن كان عالما به ؛ فهو معنى كونه مريدا ، وذهب البصريون من المعتزلة : إلى أنه مريد بإرادة قائمة لا في محل ، وذهب الكرامية : إلى أنه مريد بإرادة حادثة في ذاته ، تعالى اللّه عن قول الزائغين . وقبل الخوض في الحجاج نفيا ، وإثباتا ؛ لا بدّ من تحقيق معنى الإرادة على مذهب أهل الحق من أئمتنا ؛ ليكون التوارد بالنفي ، والإثبات على معنى واحد . وقد اختلفت عباراتهم فيها : فقال بعضهم : هي القصد إلى المراد . وقال بعضهم : هي إيثار المراد . وقال بعضهم : هي اختيار الحادثات . وقال القاضي أبو بكر : هي المشيئة المجردة . وفي هذه العبارات نظر . أما العبارات الأولى والثانية : ففيهما تعريف بالإرادة بالمراد ، والمراد مشتق من الإرادة ؛ فيكون أخفى في المعرفة من معرفة الإرادة ؛ فلا يصلح للأخذ في التعريف . والذي يخص العبارة الأولى : أن الإرادة أعم من القصد ، وتعريف الأعم بما هو أخص منه ممتنع ؛ ولهذا فإن الإرادة على رأي الأصحاب يجوز تعلقها بفعل الغير ، والقصد إلى فعل الغير ؛ ممتنع . وقول القائل في العرف : قصدي لفعلك لأجل مصلحتك ؛ فمن أجل مصلحتك ، فمن باب التجوز ، والتوسع ؛ والكلام إنما هو في الحقيقة . وأما العبارة الثانية : وهي الإيثار ، فقد قيل فيها : الإيثار مشعر بسابقة التردد بين أمرين . أحدهما أثر عن الآخر ، والإرادة أعم من ذلك ؛ فإنها قد تكون حيث لا تردد : كالمكره على فعل شيء ؛ فإنه لا يخطر له غير الفعل الذي به نجاته ؛ وهو مريد له . ويمكن دفعه : بأنه مؤثر لجانب فعله على عدمه ، ولا خلو له عنه . وما مثل هذا التشكيك فوارد على العبارة الثالثة : وهي الاختيار . وبالجملة : فجملة هذه العبارات ؛ وإن سلم تساويها في المعنى عموما ،